العقلية الصحيحة لتنجح شركتك النّاشئة في الجزائر

ahmed

Administrator
طاقم الإدارة


تكلّمت في المقال السابق (الشركات الناشئة، شرح وتعريف)، وربما كنت قد قدمت تعريفًا مثاليًا بعض الشيء للشّركات النّاشئة. وربما لم يكن تعريفًا دقيقًا وواضحًا، كما ربما كان يجب التركيز أكثر على نظام بيئي ريادي ناجح يساعد لخلق وتطوير شركات ناشئة جزائرية، بغضّ النّظر عن تعريفها.
حسنا، لنتحدث عن البيئة الريادية (Entrepreneurial ecosystem) هل سبق لك وناقشت مفهوم البيئة الريادية في الجزائر؟ عندما أقوم بذلك، تواجهني وابل من التّعليقات السلبية، مثل "لا وجود لبيئة ريادية"، و"ليست مهيكلة"، و "بيئة رديئة"، و "ولا تسمح لنا بالتّقدم"، "بل ومليئة بالعقبات...وهلّم جرًا". لا أريد تحطيم معنوياتك، لذلك واصل القراءة. وفي واقع الأمر فإنّ الكثيرين يصبّون جام أسباب الصعوبات التي يواجهونها في شركاتهم على محيطهم، وأعتقد أنّ هذا توجّه خاطئ تمامًا.
لكن مع ذلك، لا يعني أنّه خاطئ كليًّا.
سيسألك المشكّكون (الذين أعتقد أنك التقيت ببعض منهم)، "عن أي شركات ناشئة تتحدث في بلد لا يملك حتّى نظام دفع إلكتروني متطوّر؟" أو قد يقولون، "كيف ستنجح دون دعم المؤسسات التّي تسهل محيط العمل؟" وعن أي محيط ريادي تتحدّث ؟ أنا لا اراه، لربما لم يرو هذا. حسنًا لن أقول أن الجزائر بلد يشجّع الشركات الناشئة مثل أمريكا، أو مثل بعض البلدان المجاورة (المؤشر العالمي للمقاولاتية عام 2018، أين تحتل الجزائر المركز 80). بالرّغم من أنّ الجزائر حصلت على مكان في قائمة بلومبرج للابتكار لهذه السنة. ولكن لا تنبع كل مشاكل رواد الأعمال من بيئة تعادي النجاح.
إذا كانت الشركات الناشئة قليلة (كما يقول أصدقائنا المشكّكون)، فالمشكل لا يكمن فقط في أن المحيط الريادي غير ناضج كفاية، أو لا يتطوّر بالسّرعة المطلوبة ولكن فشل الشركات الناشئة قد يرجع أيضًا لأسباب داخل هاته الشركات الناشئة، بل يعّد أبرز عامل في أغلب الأحيان.
بما أننّا نعتبر هذه الكلمة (الفشل) أمرًا غير مقبول، وأمرًا محضور مناقشته، وبما أنّنا اعتدنا على اعتبار عالم الشركات الناشئة عالمًا يوطوبيًا مثاليًا يبتكر فيه الجميع أشياء عبقرية وينجحون على جميع الأصعدة. ولكن ينسى الحالمون بهذا العالم ذكر واعتبار أسباب الفشل الحقيقية، ويفضّلون تبرير الفشل بإلقاء اللّوم على الظروف الخارجية.
🔹‬ماذا لو بدأنا بتقويم أنفسنا أولًا؟
فخلال الخمس سنوات الماضية، التي التقيت فيها مع العديد من رواد الأعمال في الجزائر، إفريقيا، والدول العربية، كنت أحاول مناقشة مفاهيم النّجاح والفشل في ريادة الأعمال، وكيف يتعاملون مع واقعهم ومحيطهم، والأمر المشترك بين جميع هؤلاء هو أخذهم السؤال الذي ذكرته في بداية هذه الفقرة.
لذلك تأمّلت لفترة طويلة وفكرّت في الأمر، واستطعت تحديد بعض السلوكيات التي أرى أنّها تهدّم احترافية ومصداقية رواد الأعمال الجزائريين، وتعيق تطوير نظام بيئة ريادية فعّالة وواعدة لكل المقاولين.
✅1️⃣‬عدم أخد الأمر على محمل الجّد:
➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖
ينظر العديد من رواد الأعمال الذين قابلتهم إلى مشاريعهم كمشاريع جانبية، يعملون عليها بالتّوازي مع نشاط آخر أو مع "وظيفة يومية" أو خلال مسارهم الجامعي. كما ينظرون إلى المشروع على أنّه مشروع يمكنهم تحقيقه بسرعة مع أصدقائهم ، يقضون وقتًا طويلًا وهم يوهمون أنفسهم أنّهم في الطّريق الصحيح. ثم يتوّقعون نتائج مبهرة بعد بضعة أشهر.
ولدينا أيضًا "رواد الأعمال المتسلسلون" (Serial-entrepreneur)، كما يحبّون أن يُطلق عليهم في السوشيل ميديا، الذين يجمعون 3بين أو 4 مشاريع كلّها في مرحلة الولادة (أو في مرحلة الصّفر) ، ثم يحاولون إطلاق جميعها في وقت واحد. صحيح أن ريادة الأعمال التسلسية موجودة، ولكن يجب أن يكون مشروعك حقيقيًا ويحمل تأثيرًا حقيقيًا على الواقع.
🔹‬أترى ما أريد الوصول إليه؟
كيف تريد منّا أخذك على محمل الجّد، والاستماع لتفاصيل مشروعك ودعمك، بينما لا تأخذ مشروعك على محمل الجّد وتعتبره كهواية تمارسها على حسب الرغبة .
لست أقول أنّه يجب عليك أن تكرّس ليلك ونهارك لمشروعك الذي يخامر ذهنك طول الوقت، ولكن إذا كان إيمانك راسخًا بنجاح مشروعك، وإذا كانت نظرتك واسعة، وإذا كنت تملك استراتيجية على المدى الطويل، فلما اللّف والدوران؟
إذا لم تستطع تخصيص 100% من وقتك لمشروعك في الوقت الحالي، نظرًا لظروف عدّة خارجة عن نطاقك يمكن تفهّمها، فعلى الأقل يمكنك تخصيص 100٪ من وقت فراغك حتى ينضج مشروعك وتستطيع بعدها التركيز عليه بدوام كامل.
✋‬يجب أن تعلم أن عالم الشركات الناشئة يقع في نفس خانة عالم الأعمال (البيزنس) ، وأنّه مجال لا يستقبل الهواة ورواد أعمال الويكاند. إنّ الأمر يتعلق بالكِفاح من أجل مشروعك، والبحث عن كل فرص تطوير شركتك ( لقاء الزبائن، ورواد أعمال آخرين، وكذلك المستثمرين) وإذا كنت لا تسعى لذلك (أو لاتفكر فيه) بدوام كامل، فذلك يعني أنّك لا تؤمن بمشروعك، ولايستحق مشروعك العمل عليه.
آسف على تخيّيب ظنّك. ‪🙏
✅2️⃣‬الستارتب ≠ الفكرة :
➖➖➖➖➖➖➖➖
يخلط كثير من الناس بين الفكرة و المشروع الملموس. وإنّ ما يميز المشروع عن الفكرة التنفيذ ، والتنفيذ وحده. إنّ السّوق الجزائرية سوقٌ عذراء تقريبًا، حيث يمكنك إيجاد 50 حلًا لمشاكل محليّة خلال 10 دقائق، (حقيقة وليس مجاز.) ولكن لا يمكنك بالتّأكيد تنفيذ سوى بعض من هذه الحلول، ولايملك سوى قلة قلية من رواد الأعمال القدرة على تنفيذها بفعالية في السّياق المحلّي.
لذلك من السهل جدًا العثور على فكرة ، ولكن من الصعب للغاية خلق قيمة مضافة بهذه الفكرة. ولخلق قيمة مضافة، يجب أولاً أن تستثمر في النّشاط والرّغبة قبل أن تطمع في الحصول على أي دعم خارجي من البيئة الريادية. فإن المجهود الفردي في هذه الحالة يسبق المجهود الجماعي.
✋‬إنّ القضية ليست معركة أفكار، بل معركة تنفيذ:
بالإضافة إلى ذلك، فعندما تجد الفكرة الصحيحة، وتكون مستعدًا للتّركيز عليها، يجب أن تستعد كذلك لأمر آخر، وهو إمكانية أن شخصًا آخر قد يفكّر في فكرتك، أو سيفكّر فيها، أو يعمل عليها أو سيعمل عليها.
لن يكون ذلك سرقةَ أو تحايلًا، ( ما لم يكن ابتكارًا حاصل على براءة اختراع)، بل هذه قواعد اللّعبة. ليس الفائز من يجد الفكرة أولاً ، بل الفائز من ينفذّها ويحقّق نجاحًا بها. فكونك أول من فكّر بالمشروع لا يقيك من منافس أكثر حيلة، أو أكثر مرونة، أو ربما أكثر استشرافًا.
إنّ السّوق الفارغ يمنح الفرصة للجميع دون استثناء. لا تأسف إذا رأيت 15 نسخة من فكرتك تناطح بعضها البعض خلال الأسبوع الذي يلي إطلاقك لشركتك أو مشروعك، بدلًا من ذلك، ركز على جعل مشروعك أفضل، وأكثر كفاءة ، ولما لا تحاول جعله صعب التقليد بالمنافسة.
👌🏼إن المشروع المخطّط له بشكل جيد هو المشروع الذي يتوقع منافسين. إذا لم يكن لك منافس، فقد حان الوقت لمسائلة نفسك.
وإذا نجح منافسوك، بتقليدهم لمشروعك أفضل منك، فحان الوقت لطرحك للأسئلة الصحيحة، هل كان نموذج عملك قويًا كفاية؟
في كثير من الأحيان يدخل رواد الأعمال ذوي الأفكار الجديدة السوق متوقعين صدى كبير لأفكارهم لمجرد أن أفكارهم جديدة. ولكنهم يصابون بخيبة أمل فيقابلون بتثبيط وعدم تقدير عندما تضرب المنافسة وجوههم، ويسقطون تواليًا عند تراكم العقبات. فعلى سبيل المثال، أتذكّر عند إطلاق سيلابس قبل بضع سنوات، كان الجميع منبهرًا بفكرة المشروع كونه الأوّل من نوعه في الجزائر، وكنّا نظّن أنّ الزّبائن سيتدافعون على أبوابنا، ولكن كانت قد مرّت أيّام ولم يأتِ أحد.
إذا كانت البيئة الريادية تسّهل بالفعل اندماج الأفكار الجديدة في السوق، فهذا لا يعفينا من التّحضير الجيّد، ذلك أنّ المنافسين، والانتقادات، والصعوبات ستبقى دائمًا موجودة وكلّها شائعة في جميع النظم الريادية في العالم، حتى الأكثر تشجيعًا للشركات النّاشئة. إنّ التحضير الجيد والعقلية الجيّدة يعدّان أفضل الداعمين ، قبل أيّ دعم خارجي.
✅3️⃣‬خانني الحظّ- حقرونا صديقي !
➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖
وأخيرا، أتمنى أن نتصالح مع الفشل. فنحن لا نعرف كيف نستفيد من إخفاقاتنا، وكيف نتراجع ونحلّل ما حدق، ثم نبدأ من جديد في المرة القادمة.
أقول هذا لأن العديد من رواد الأعمال يبررون إخفاقاتهم بنسبها لظروف ساذجة، مثل "حسدوني"، "غارو مني"، و"حطموني"ودائمًا ما تكون هذه الأسباب خارجية وذلك لتسهيل بلع حبوب الفشل. لذلك فإذا فشل مشروعك، فمن المعقول وجود سبب واضح واحد على الأقل قد أدى إلى ذلك الفشل، قد يكون ذلك نقص اهتمام، أو نقص تركيز، أو تحضيرًا سيئًا، أو استراتيجية سيئة. قيّم مسارك الماضي وابحث عن العيوب لتجنبها في المرة القادمة. وهذه الطريقة الوحيدة لنصل إلى مرحلة النضج والكفاءة المهنية التي يتميّز بها رواد الأعمال الحقيقيون.
وكرواد أعمال حقيقيين يريدون المضي قدمًا، علينا أن نتخلص من مرض المساعدة، سواء من نظام البيئة الريادية، أو من الحكومة أو من أي مصدر أخر.
أن تقف مكتوف الأيدي تحت حجّة أن النّظام الريادي لا يساعد، ليس سببًا كافيًا في رأيّي. إن نظامنا الريادي في طور التّقدم، وكيف يمكن تحسينه؟ إن البيئة الريادية بحكم تعريفها عبارة عن مجموعة من الأطراف التي تتفاعل مع بعضها البعض في نفس البيئة. فإذا نجحنا في تحسين أداء الشركات الناشئة، فسيتبع الباقي بلا شك.
أمتفائل أنا كثيرًا؟‪🤔
بالتّأكيد. ولكنّي أومن إيمانًا راسخًا بأنّ الشركات الناشئة تحتاج لإثبات شرعيتها بالجهد الجماعي لتعزّز اقتصادنا. ويجب إثبات مصداقيتها للمستثمرين والمؤسسات والفاعلين الإقتصاديّين، وهذا لتحضيرهما لبذل المجهودات اللّازمة لزيادة سلاسة وشيوع ثقافة ريادة الأعمال والشركات النّاشئة.
منّا لهذاك الوقت، أيّا نروحو نخدمو!‪👏

 
أعلى